الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
246
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
انتقال من وصف جزاء المجرمين إلى ثواب المتقين . والجملة عطف على جملة يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ [ الرحمن : 41 ] إلى آخرها ، وهو أظهر لأن قوله في آخرها يَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ يفيد معنى أنهم فيها . واللام في لِمَنْ خافَ لام الملك ، أي يعطي من خاف ربه ويملك جنتين ، ولا شبهة في أن من خاف مقام ربه جنس الخائفين لا خائف معيّن فهو من صيغ العموم البدلي بمنزلة قولك : وللخائف مقام ربه . وعليه فيجيء النظر في تأويل تثنية جَنَّتانِ فيجوز أن يكون المراد : جنسين من الجنات . وقد ذكرت الجنات في القرآن بصيغة الجمع غير مرة وسيجيء بعد هذا قوله : وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ [ الرحمن : 62 ] فالمراد جنسان من الجنات . ويجوز أن تكون التثنية مستعملة كناية عن التعدد ، وهو استعمال موجود في الكلام الفصيح وفي القرآن قال اللّه تعالى : ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ [ الملك : 4 ] ومنه قولهم : لبّيك وسعديك ودواليك ، كقول القوّال « 1 » الطائي من شعر الحماسة : فقولا لهذا المرء ذو جاء ساعيا * هلمّ فإن المشرفيّ الفرائض أي فقولوا : يا قوم ، وتقدم عند قوله تعالى : سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ في سورة التوبة [ 101 ] . وإيثار صيغة التثنية هنا لمراعاة الفواصل السابقة واللاحقة فقد بنيت قرائن السورة عليها والقرينة ظاهرة وإليه يميل كلام الفراء ، وعلى هذا فجميع ما أجري بصيغة التثنية في شأن الجنتين فمراد به الجمع . وقيل : أريد جنتان لكل متّق تحفان بقصره في الجنة كما قال تعالى في صفة جنات الدنيا جَعَلْنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنابٍ [ الكهف : 32 ] الآية ، وقال : لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مساكنهم آيَةٌ جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمالٍ [ سبأ : 15 ] فهما جنتان باعتبار يمنة القصر ويسرته
--> ( 1 ) هكذا وقع اسمه في « ديوان الحماسة » و « شروحه » وهو بفتح القاف وتشديد الواو كما في « خزانة الأدب » . وهو من مخضرمي الدولتين .